أخبار جهويةأخبار وطنية

إكراهات الخصاص ورهانات الرقمنة.. كلمة حق في مسار الإصلاح والتدبير.

​بقلم: عبد الرحمان ابظار
باحث في العلوم القانونية والكاتب المحلي للنقابة الديمقراطية للعدل ببيوكرى

​لم يكن فعلنا النضالي يوماً مجرد شعارات مستهلكة أو مناورة ظرفية، بل تبلور دائماً كتشخيص موضوعي وتحليل سوسيولوجي نابع من عمق الإدارة القضائية؛ حيث رفعنا الصوت عالياً، في انسجام تام مع الشرفاء والمناضلين، للتنديد بـ الخصاص الهيكلي المهول في الرأسمال البشري الذي يرزح تحت وطأته المرفق. وفي الوقت الذي اخترنا فيه سابقاً – التزاماً بأخلاقياتنا التنظيمية وترفعاً عن التجاذبات الهامشية – تغليب لغة الحكمة والتريث إزاء الممارسات الإدارية والخيارات التسييرية لتلك المرحلة، نأينا ببياناتنا وبلاغاتنا الرسمية آنذاك عن الخوض في تفاصيلها ظرفياً.
​أما اليوم، وتأسيساً على شهادة الحق والتجرد الموضوعي – بعيداً عن أي محاباة شخصية أو تزكية واهية للباطل – فإن الواقع السوسيوقضائي يفرض نفسه بقوة كمُعطى ملموس، بفعل الدينامية التغييرية والإرادة الإصلاحية التي شهدتها المحكمة الابتدائية ببيوكرى. وهو تحولٌ جذري وعميق التمسه وعاينه جميع الفاعلين داخل منظومة العدالة بالمحكمة؛ من قضاة الرئاسة، والنيابة العامة، وهيئتي كتابة الضبط وكتابة النيابة العامة، وصولاً إلى كافة مساعدي القضاء من محامين ومفوضين قضائيين وعدول وخبراء ونساخ. لقد أجمع هذا الجسم القضائي المتكامل على حصول طفرة نوعية مست الحكامة التدبيرية، وعقلنة المسارات الإجرائية، وإعادة هندسة تدفق الملفات.
​ورغم ثبات المؤشرات العددية والكمية للموارد البشرية، إلا أن المقاربة الإستراتيجية الجديدة اعتمدت على آليات التحديث والتطهير الإجرائي عبر إدماج المنصات الرقمية المتطورة والبرمجيات الذكية المستحدثة. هذا الانتقال الفعلي يأتي تماشياً مع المخطط التوجيهي لـ “التحول الرقمي” الذي تنادي به وزارة العدل، وقد أسهم بشكل بنيوي في تفتيت وتخفيف عبء العمل اليومي، وتحقيق النجاعة القضائية والإدارية، وتيسير تصفية المساطر والملفات المعقدة داخل الآجال الاسترشادية، تكريساً للمرفق العام المواطن لخدمة المرتفقين والصالح العام.
​وفي سياق متصل، واعتباراً لكون المقاربة التشاركية هي السبيل الأنجع للارتقاء بأوضاع المرفق وشغيلته، لا يفوتنا من هذا المنبر النقابي والمهني أن نتوجه بعبارات الشكر والامتنان للمديرية الإقليمية لوزارة العدل بأكادير؛ وذلك لقاء تفاعلها الإيجابي وجديتها الملموسة في تنزيل مخرجات وجميع نقاط الاتفاق المتمخض عن الاجتماع المشترك المنعقد بطلب من المكتب المحلي للنقابة الديمقراطية للعدل ببيوكرى في منتصف سنة 2025 بمقر المديرية الإقليمية. وتتجلى أبهى صور هذا الالتزام المتبادل في تفعيل الشق الاجتماعي الحيوي، من خلال إعطاء انطلاقة العمل بالمقصف المتواجد بالمحكمة (Buvette) لتمكين الشغيلة القضائية من وجبات الإطعام في ظروف لائقة، إلى جانب الترتيبات الجارية لإطلاق مركز الحضانة في غضون الأيام القليلة المقبلة، وهي خطوة نوعية تهدف إلى تعزيز الاستقرار الاجتماعي والنفسي للموظفات والموظفين.
​إننا، ومن موقعنا النقابي المسؤول، إذ نثمن هذا الانتقال السلس نحو “المحكمة الرقمية اللامادية” وتجذير ثقافة الإدارة الإلكترونية والمرفق المواطن، نؤكد في الوقت ذاته أن هويتنا النضالية عقيدة ثابتة وخيار استراتيجي؛ لا يثنينا وعيد ولا يرهبنا أحد. وسنظل دائماً أوفياء لخطنا المبدئي في الجهر بالحقائق الساطعة وتسمية الأشياء بمسمياتها القانونية والواقعية كلما دعت الضرورة، وريثما تستجد معطيات أخرى سنبوح بها في إبانها.
​اليوم، نشهد باعتزاز أكاديمي ونقابي أن المحكمة الابتدائية ببيوكرى باتت تخطو بثبات ووعي مؤسساتي لتصبح نموذجاً حياً ومستقبلياً للمحاكم الرقمية والمقاولات القضائية الحديثة التي تروم الدولة القانونية إرساءها. وهو مسار إصلاحي وتحديثي نؤيده بواقعية الملاحظ، ونرقب استكماله وتجويده بيقظة نضالية مستمرة لا تلين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى