المرأة والسياسة: من معارك النفوذ التاريخية إلى فخ “التكميل الصوري”.. هل العمل السياسي يليق بالمرأة؟

بقلم: الأستاذة سعاد أكريم
مع كل استحقاق تشريعي أو معترك انتخابي، تتزين الشاشات والملصقات بوجوه نسائية بارزة؛ صُور برّاقة تجمع بين النفوذ المالي، أو الجاه العائلي، أو التميز الأكاديمي. تُطرح المرأة حينها كـ “عملة انتخابية ثقيلة” تُساق لتعزيز القوائم وتزيين المشهد. لكن أمام هذه البهرجة، يفرض سؤال حارق نفسه: هل العمل السياسي يليق بالمرأة كفاعل أصيل؟ أم أن البنية السياسية القائمة صُممت لتستغل تواجدها دون منحها الفاعلية والحق في تقرير المصير؟
المعترك التاريخي: السياسة كأرض ذكورية بامتياز
عبر التاريخ الإنساني، لم يُفتح الحقل السياسي للمرأة كبساط أحمر، فالرجال لم يتخلوا يوماً عن مراكز القوى السيادية بسهولة، بل خاضت النساء صراعات شرسة لاقتطاع مكانهن:
شجر الدر: عندما تولت عرش مصر بحنكة سياسية وعسكرية أدارت بها البلاد ضد الحملات الصليبية، لم يتقبل المشهد الذكوري قيادتها، وواجهت رفضاً سلبها حقها الصريح، مما اضطرها للتنازل الشكلي عن العرش عبر الزواج من عز الدين أيبك لشرعنة الحكم ذكورياً.
زنوبيا وكليوباترا: خضن معارك سياسية ودبلوماسية هائلة ضد الهيمنة الرومانية، ومع ذلك أصر المؤرخون والسياسيون على اختزال حنكتهن في “الدسائس والأنوثة” بدلاً من الاعتراف بعبقريتهن القيادية.
مارغريت تاتشر: في التاريخ الحديث، اقتحمت “المرأة الحديدية” السياسة البريطانية الذكورية، وواجهت تحقيراً صريحاً في بداياتها، ولم يُعترف بقوتها إلا عندما تبنت أسلوباً صارماً وُصف بـ “الحديد والدم”، وكأن المرأة مجبرة على ارتداء الجلباب الذكوري كي يُسمح لها بالممارسة السياسية.
المشهد المغربي: بين النضال الأصيل وفخ “الكوتا”
في المملكة المغربية، خاضت المرأة نضالاً تاريخياً في المقاومة وبناء الدولة، لكن الحقل الحزبي ظل لعقود حصناً ذكورياً مغلقاً. ورغم أن الآليات الدستورية والتشريعية (كاللوائح الوطنية وحصص المحاصصة “الكوتا”) جاءت لفرض التواجد النسائي، إلا أنها تحولت في كثير من الأحيان إلى “فخ صوري”. تُختار النساء لاستيفاء الشروط القانونية أو جلب الأصوات، لتجد المرأة نفسها مجرد رقم داخل حزب تقوده عقلياً وإستراتيجياً إرادة ذكورية، فتُساق لخدمة برنامج الحزب بدلاً من فرض رؤيتها وخدمة قضيتها.
لماذا لا تهجر المرأة الأحزاب الذكورية؟
إذا كانت المرأة تجد نفسها عاجزة عن فرض رؤيتها وبرنامجها داخل الأحزاب التقليدية، وتُمارس عليها التبعية السياسية ليتم استغلالها كديكور انتخابي… فلماذا لا تتجرأ على هجرة هذه “الأحزاب الرجالية” وتأسيس حزب نسائي خالص؟
حزب يقطع مع التبعية، ويضمن لها صياغة رؤيتها المستقلة بعيداً عن الوصاية الذكورية. هل تعتري المرأة خِشية المبادرة؟ أم أن البيئة السياسية أقنعتها بأن قيمتها تكمن فقط في أن تكون “تكملة لائحة”؟ إن التغيير الحقيقي لن يبدأ بانتظار التفاتة رعاية، أو مقعد مريح في حافلة يقودها رجل، بل في امتلاك الجرأة لتأسيس الحافلة الخاصة والمسار المستقل!
فمن تملك الجرأة لتهيئة الحافلة وتحديد بوصلتها؟؟