أسماء المغاربة .. من عاشور إلى مسيرة إلى لقيطة
كثيرات هن المغربيات اللواتي يحملن اسم مسيرة. القاسم المشترك بينهن هو أنهن ازددن يوم 6 نونبر 1975.. منهن من يفاخرن بمشاركة آبائهن أو أمهاتهن في المسيرة الخضراء، وبحملهن هذا الاسم الدال على حدث تاريخي وطني مهم؛ وبعضهن لا يجدن معنى لأن يرتبط مسارهن باسم اختاره لهن، في الغالب، مقدم الحومة أو موظف الحالة المدنية.
ومثلما تحمل مغربيات كثيرات اسم مسيرة، يحمل مغاربة آخرون اسم الخامس أو علال أو المهدي أو عمر أو سعيدة أو جمال أو ياسر أو غيفارا… لمجرد أن محمد الخامس أو علال الفاسي أو المهدي بنبركة أو عمر بنجلون أو سعيدة المنبهي أو جمال عبد الناصر أو ياسر عرفات أو التشي غيفارا… كانوا رموزا ملهمين لآبائهم. هكذا “يزِر” الأبناء “وزر” آبائهم، خصوصا إذا كان هؤلاء الآباء قد غادروا تلك الأفكار والأحزاب التي ألهمتهم أسماء أبنائهم ولم يبق لهم منها سوى اسم الابن كوشم عميق.
من هؤلاء الآباء الشيخ “السلفي” محمد الفيزازي، الذي اختار لأحد أبنائه اسم عبد الحليم، تيمنا بعبد الحليم حافظ.. أيامها، كان الشيخ شابا حليقا يعشق الموسيقى والرسم، حتى إنه تقدم إلى برنامج تلفزيوني يرعى مواهب الغناء. فجأة، “كفر” الفيزازي بعبد الحليم، واختار محمد بن عبد الوهاب (مؤسس الفكر الوهابي وليس الموسيقار المصري) ملهما له، ولم يتبق له من ذلك الزمن الفني سوى الابن عبد الحليم مثل نغمة نشاز “Fausse note”.
إطلاق المغاربة أسماء الرموز الملهمة لهم على أبنائهم يتجاوز الحالات الفردية المعزولة، ليشكل وعيا جمعيا يعبر عن انحياز واضح إلى شخصيات تاريخية ضد أخرى؛ ففي الوقت الذي لا تجد فيه أي حضور لاسم معاوية في المغرب، يحظى اسم علي والحسين بحضور كبير في مناطق سوس بالأساس، وادريس وعلال في الحواضر الأندلسية. وهذا يدل على انحياز المغاربة الواضح إلى آل البيت ومظلوميتهم، خصوصا بعد اغتيال ادريس الأول بين ظهرانيهم.
اختيار المغاربة لأسماء أبنائهم كانت له أهداف تأريخية توثيقية أيضا، فإذا كانت العرب تؤرخ لولاداتها بكبرى الأحداث، فيقال إن الرسول (ص) ولد عام الفيل وأبا بكر ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر… فإن المغاربة كانوا يطلقون على أبنائهم أسماء الأعياد والمناسبات التي صادفت ولادتهم، فتجد شعبان وشعبانة ورمضان ورمضانة والصغير والصغيرة والكبير والكبيرة وعاشور وعاشورة وميلود وميلودة…
وقد كان لدخول التلفزيون إلى حياة المغاربة ومنازلهم أثر كبير وجذري في اختيار الأسماء، فمواليد سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات حملوا أسماء مشاهير التمثيل والغناء في الشرق العربي، فكانت هناك أسماء لها معنى مثل: فريد وشادية وفيروز وصباح… كما كانت هناك أسماء اختارها آباء لأبنائهم دون أن يتساءلوا عن أصولها ومعانيها، خصوصا الأسماء ذات الأصول التركية مثل: شاهيناز وباكينام ونرمين… وهذا الأمر مازال مستمرا حتى داخل العائلات المتعلمة والمحسوبة على الطبقة الوسطى.
وخلال المرحلة التي اعتبر فيها نقاد الفن والأدب أن الشخصية المغربية كانت مجرد صدى للصوت الشرقي، وصل انبهار المغاربة بكل ما يأتي من الشرق إلى قمة العبث واللامعنى، حيث إن عائلات مغربية سمت بناتها “لقيطة” لأن مسلسلا مصريا يحمل هذا العنوان كان يعرض على شاشة التلفزيون. أما خلال المرحلة التي اجتاحت فيها المسلسلات المكسيكية منازل المغاربة، وتصادف ذلك مع “كهربة” العالم القروي، فإن اسما مثل “غوادالوبي” كان مغريا لعائلات بدوية أبهرتها “سعادة” المسلسلات وشقرة الممثلات وأناقتهن.
فورة انتقال المغاربة من اختيار أسماء ذات معنى لمواليدهم إلى أخرى لا معنى لها، ما كان ليتم، طبعا، لولا العبث الذي تعرفه الإدارة المغربية، ومنها أقسام الحالة المدنية، خصوصا في علاقتها المتداخلة بكل من وزارتي الداخلية والعدل، ففي الوقت الذي كانت تمنع فيه أسماء مثل سارة ونوميديا، كان يفتح المجال لتسجيل مواليد بأسماء لا يعرف لها الآباء ولا الأبناء ولا ضباط الحالة المدنية معنى.