عبد الله شاكر
في قلب سوس، حيث تتعانق الموسيقى مع الذاكرة، ويظل التراث الأمازيغي حاضراً في تفاصيل الحياة اليومية، تبرز مجموعة «مخفمان» كواحدة من الفرق التراثية التي استطاعت أن تمنح لفن أحواش روحاً خاصة، وتقدم هذا الموروث العريق بأسلوب متفرد يجمع بين الإبداع، والحماس، وجمالية الأداء.
تنحدر المجموعة من دوار مخفمان بجماعة أساكي، إقليم تارودانت، وتحولت، بفضل تجربتها وحضورها الفني، إلى اسم مطلوب في مختلف المناسبات والمحافل، من المهرجانات والملتقيات الثقافية والفنية، إلى الأعراس والمناسبات الاجتماعية.
ولا يكمن سر تميز «مخفمان» في أداء أحواش ا لتقليدي فقط، بل في طريقتها الخاصة في التقديم والإيحاء والحركات الجماعية، حيث تتناغم ضربات الطبول و«تالونت» مع تحركات الأطراف والإيقاعات الجسدية والرقصات المتناسقة، في مشهد ينجح في تحريك الساكن وإشعال حماس الجمهور.
ومع انطلاق الإيقاعات، يتحول فضاء العرض إلى لوحة نابضة بالحياة؛ صفوف متناسقة، حركات دقيقة، إيقاعات متصاعدة، وتفاعل جماهيري يجعل من العرض أكثر من مجرد فقرة فنية، بل فرجة شعبية تستحضر روح الأعراس والاحتفالات الأمازيغية الأصيلة.
وتولي المجموعة أهمية خاصة لمظهرها التقليدي، إذ تحرص على الظهور باللباس الأمازيغي المعروف بـ**«الجلباب» مع «الرزة» وتقليد حمل الخنجر «لكميت»**، في صورة تعكس الاعتزاز بالهوية والتراث، وتمنح عروضها بعداً بصرياً يزيد من جاذبيتها.
ولعل الإقبال الكبير الذي تحظى به المجموعة في مختلف المناسبات، خير دليل على مكانتها لدى الجمهور. فأينما حلت «مخفمان»، تتوافد الحشود لمتابعة عروضها، بعدما أصبح الجمهور يعرف خصوصية هذا النمط الفني الذي تقدمه، ويترقب لحظاته الإيقاعية وحركاته الجماعية المميزة.
ولا يقتصر تميز المجموعة على الجانب الفني، بل يمتد إلى أخلاق أفرادها وطيبوبة تعاملهم، وهو ما جعلهم يحظون بمحبة الناس وتقديرهم. ويؤكد أعضاء المجموعة أن الهدف بالنسبة إليهم يتجاوز الجانب المادي، لأنهم ينظرون إلى الفن باعتباره رسالة ومسؤولية تجاه التراث والذاكرة والناس، وأن إسعاد الجمهور والحفاظ على هذا الموروث يظل بالنسبة إليهم الغاية الأسمى.
وقد أثمرت هذه التجربة حضوراً مميزاً في الساحة الفنية، تُوّج بحصول المجموعة على عدد من الجوائز الوطنية في صنف الرقص الجماعي المغربي، من بينها الجائزة الوطنية، لتؤكد بذلك أن الفن التراثي، حين يُقدَّم بإبداع وإخلاص، قادر على الوصول إلى منصات التتويج والحفاظ في الوقت نفسه على جذوره وأصالته.
من دوار مخفمان بأساكي، حملت المجموعة إيقاعات أحواش إلى مختلف المحافل، وجعلت من الطبل و«تالونت» والحركة الجماعية لغة للتواصل مع الجمهور. وبينما تتغير الأزمنة وتتبدل الأذواق، تواصل «مخمفان» أداء رسالتها: أن يبقى أحواش حياً، وأن تظل الذاكرة الأمازيغية حاضرة فوق الخشبة وفي ساحات الاحتفال.
فـ«مخفمان» ليست مجرد فرقة تقدم عرضاً فنياً؛ إنها تجربة تراثية تنبض بالحياة، واسم ارتبط بفرجة ينتظرها الجمهور، ورسالة تؤكد أن الفن حين يصدر عن المحبة والانتماء، يتحول من مجرد أداء إلى ذاكرة تحفظها الأجيال.
زر الذهاب إلى الأعلى