
نادية عماري
“ما نشوفوكش آ الزين”،”جيتي واعرة في هاد اللبسة”،”آفين آ الغزالة”، جمل وعبارات يستخدمها شباب كأسلوب للتحرش بالفتيات في الطرقات و الشوارع العامة بالمغرب. أسلوب الغزل والإعجاب قد يتحول إلى نوع من التهكم والسخرية، عن طريق التلفظ بمفردات نابية في حال عدم تجاوب الطرف الآخر.
ظاهرة”النكان” أو التحرش الجنسي أصبحت تمثل معاناة يومية للعديد من المغربيات، لما يتعرضن له من مضايقات في واضحة النهار وأمام المارة.
النساء في حصار
“إيلا بغات البنت تخرج بوحدها مشكلة كبيرة، وراه بعض المرات واخة تكون حتى مع امها، ما يحتارموهاش وما يحشموش”، تقول فريدة، 23 سنة، مجازة.
تعتبر أن الفتيات والنساء على حد سواء لا يتمكن من التنقل بحرية خارج منازلهن، لكثرة الضغوط النفسية التي يتعرضن لها من طرف شباب طائش يمارس هواية مريضة، غير واع لما يقترفه من تعد سافر على الآخرين واستفزاز صريح لمشاعرهن دون أدنى رادع، تشرح بأسف”دابا رديتي عليهم باش تنهيهم زعمة مشكلة، ما جاوبتيش كارثة، فهم يتحينون الفرص قصد إمطارك بوابل من الشتائم وأقبح الأوصاف والنعوت، اللهم النخال قصد الخروج بأقل الخسائر النفسية والسلام”.
بالنسبة لفريدة، فالنساء أصبحن محاصرات داخل نطاق تحركاتهن، حيث لم يعد الأمر مقتصرا على الخروج للتسوق، قضاء غرض ما، أو التجول خارجا، بل يتعداه ليشمل تقييد حريتهن في فضاءات مغايرة، تستطرد بامتعاض”ودابا حتى إيلا بغات البنت تفوج في شي حديقة مثلا، كا ينقزوا ما تعرفيهم منين جاوا، لصقة وخلاص، ولا أستثني كذلك التحرش الجنسي الذي يطال النساء في أماكن عملهن، والقائمة تطول”.
مسؤولية مشتركة
يعزو عمر، ميكانيكي، سبب تنامي ظاهرة “النكان” في المغرب إلى المظهر الخارجي الذي تبدو عليه غالبية الفتيات في الشوارع، والألبسة الضيقة والشفافة التي يرتدينها في دعوة صريحة منهن إلى التحرش بهن علانية، يقول”واخة انت تكون ملهي، هما كايقولوا ليك آجي تحرش بينا”.
وحول مسألة تعرض المحجبات للتحرش، على الرغم من لباسهن الملتزم، يشدد”لمن يؤكد أن اللباس ليس مشكلا، أرد بالقول”آش من حجاب علاش كايتكلموا، واش البنت اللي تغطي شعرها وتلبس جينز مزير وبودي قصير، هادي بالنسبة ليهم ملتزمة؟”.
يعتبر عمر بأن المسؤولية قائمة بشكل أو بآخر على بعض المراهقين والشباب، خاصة منهم من يبالغون في التغزل، يلاحقون الفتيات وأحيانا يستخدمون كلمات جارحة وغير لائقة، إن هم قوبلوا بالتجاهل.
لكن هذا لا ينفي وجود فئة أخرى قد تجاريهم في نزواتهم العابرة وتستجيب لكلامهم المعسول، يضيف بابتسامة عريضة”وا هنا الواحد خاصو يحبس، ويفرق بين بنات الناس والبنات الآخرين باش ما يبقاش شي مشكل”.
التحرش في حلته العصرية
حسب تقرير للأمم المتحدة حول الظاهرة، فإن 65% على الأقل من النساء على مستوى العالم يتعرضن لنوع من الاعتداء و التحرش الجنسي، و رغم أنه لا توجد إحصاءات دقيقة في المغرب، إلا أن الملاحظ هو تناميها بشكل ملفت ومضطرد خلال السنين الأخيرة.
يعتبر يوسف معضور، باحث مختص في علم الاجتماع أن أشكال التحرش الجنسي عرفت تطورا ملحوظا، بحيث تجاوزت تلك التقليدية الممثلة في التغزل والمعاكسة في مقرات العمل و الشارع العام والاحتكاك وسط الحافلات العمومية و غيرها من أساليب الجذب بالنظرات، الإيحاءات والإيماءات.. لتشمل توظيف بعض الوسائل التكنولوجية الحديثة كمواقع التواصل الاجتماعي التي سهلت كثيرا عملية التواصل المبني على أساس إخفاء الهوية بشكل آمن.
وحول الأسباب التي ساهمت في تفاقم الظاهرة وازديادها داخل المجتمع المغربي، يجيب يوسف معضور” الحديث عن الظاهرة تتضارب فيه الآراء حسب النوع والتكوين الثقافي و النفسي الاجتماعي، فالبعض يعتبر المرأة مسؤولة بطريقة مباشرة أو غير مباشرة على استمالة المتحرشين بها من خلال طريقة اللباس المثيرة والكاشفة لمفاتنها، حتى وإن لم تتعمد العري و الإغراء المجاني، وهناك فئة من النساء يدحضن الرأي السابق، مؤكدات أن بعض المتحرشين لا يفرقون بين لباس محتشم من غيره، ليصبح السلوك اعتياديا، يشمل كل النساء دون استثناء أو تمييز، يصدر بشكل لا إرادي بمجرد ظهور”الجنس اللطيف”.
“ترمومتر للجمال ومؤهلات الجسد”
أحيانا يصبح التحرش الجنسي لدى بعض النساء وسيلة لقياس جاذبيتهن ودرجة جمالهن، وهو ما يتم استنتاجه انطلاقا من كلمات وعبارات الغزل التي يتم ترديدها على مسامعهن في الشارع، يوضح معضور” التحرش الجنسي لا يكون دائما بمفهومه السلبي عند “بعض النساء” بل يتحول لديهن إلى عبارة عن”تّرمومـتر”بغرض قياس درجة الجمال والأناقة و القامة ومؤهلات الجسد، تحديدا إذا كانت الألفاظ الموجهة لهن تصف أدق تفاصيل الجسد و تضاريسه العليا والسفلى بنوع من الإيجابية وذكر المحاسن.. حينها لا يتم إصدار أي رد فعل سلبي بل يعتبر الفعل أقرب إلى اجتياز امتحان كفاءة “الحضور الجسدي” منه إلى تحرش”.
يستطرد”خلافا لذلك وعند التلفظ بالألفاظ والعبارات الأخرى بمحتواها السلبي التي تشتمل على الأوصاف القبيحة في وصف شكل الجسد، حينها يسمى قذفا وسبا و شتم والبعض يدخله في خانة العنف الرمزي، إذن يمكن القول على أننا نواجه صورة من صور “السكيزوفرينيا” بين وضعيتين!”.
و يؤكد الباحث في علم الاجتماع أن الظاهرة لم تعد حكرا على النساء فقط بل شملت كذلك الرجال، يضيف”هم بدورهم يتعرضون للمضايقات في أماكن غالبا ما تكون منغلقة عن الفضاءات العامة، عكس التحرش بالنساء الذي يكثر في هاته الأخيرة، لنتحدث هنا عن تحرش الرجل بالمرأة بشكل مرئي مكشوف للعيان، والذي يثير زوبعة “القيل والقال”، أما تحرش المرأة بالرجل بشكل صامت وخفي فلا يتم الحديث عنه إطلاقا!”.